العيني

90

عمدة القاري

وقال غيره فلو خالف وقدم بعضها على بعض جاز ، ولا إثم عليه ولا فدية لهذا الحديث ، ولعموم وقوله : ( ولا حرج ) ، وهذا مذهب عطاء وطاوس ومجاهد . وقول أحمد وإسحاق ، والمشهور من قول الشافعي ، وحملوا قوله تعالى : * ( ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله ) * ( البقرة : 196 ) على المكان الذي يقع فيه النحر . وللشافعي قول ضعيف أنه إذا قدم الحلق على الرمي والطواف لزمه الدم ، بناء على قوله الضعيف عند أصحابه أن الحلق ليس بنسك . قال النووي : وبهذا القول قال أبو حنيفة ومالك ، ويروى عن سعيد بن جبير والحسن والنخعي وقتادة ، ورواية شاذة عن ابن عباس : أن من قدم بعضها على بعض لزمه الدم . وقال المازري : لا فدية عليه عند مالك ، يعني : في تقديم بعضها على بعض إلاَّ الحلق على الرمي فعليه الفدية . وقال عياض : وكذا إذا قدم الطواف للإفاضة على الرمي عنده ، فقيل : يجزئه ، وعليه الهدي . وقيل : لا يجزئه ، وكذلك قال : إذا رمى ثم أفاض قبل أن يحلق . وأجمعوا على أن من نحر قبل الرمي لا شيء عليه . واتفقوا على أنه لا فرق بين العامد والساهي في وجوب الفدية وعدمها ، وإنما اختلفوا في الإثم وعدمه عند من منع التقديم . قلت : إذا حلق قبل أن يذبح فعليه دم عند أبي حنيفة ، وإن كان قارناً فعلية دمان . وقال زفر : إذا حلق قبل أن ينحر عليه ثلاثة دماء : دم للقران ، ودمان للحلق قبل النحر . وقال إبراهيم : من حلق قبل أن يذبح أهرق دماً . وقال أبو عمر : لا أعلم خلافاً فيمن نحر قبل أن يرمي أنه لا شيء عليه . قال : واختلفوا فيمن أفاض قبل أن يحلق بعد الرمي ، فكان ابن عمر يقول : يرجع فيحلق أو يقصر ، ثم يرجع إلى البيت فيفيض . وقال عطاء ومالك والشافعي وسائر الفقهاء : يجزئه الإفاضة ويحلق أو يقصر ، ولا شيء عليه . قلت : احتج الشافعي وأحمد ومن تبعهما فيما ذهبوا إليه بظاهر الحديث المذكور ، فإن معنى قوله : ( ولا حرج ) أي : لا شيء عليك مطلقاً من الإثم ، لا في ترك الترتيب ولا في ترك الفدية ، واحتجت الحنفية فيما ذهبوا إليه بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أنه قال : من قدم شيئاً من حجه أو اخره فليهرق لذلك دماً . وتأويل الحديث المذكور : لا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا ، لأنكم فعلتموه على الجهل منكم ، لا القصد منكم خلاف السنة . وكانت السنة خلاف هذا ، وأسقط عنهم الحرج ، وأعذرهم لأجل النسيان وعدم العلم . والدليل عليه قول السائل : فلم أشعر ، وقد جاء ذلك مصرحاً في حديث علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح : ( أن رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، سأله رجل في حجته فقال : إني رميت وأفضت ونسيت فلم احلق . قال : فاحلق ولا حرج . ثم جاء رجل آخر فقال : إني رميت وحلقت ونسيت أن أنحر . فقال : انحر ولا حرج ) . فدل ذلك على أن الحرج الذي رفعه الله عنهم ، إنما كان لأجل نسيانهم ولجهلهم أيضاً بأمر المناسك ، لا لغير ذلك . وذلك أن السائلين كانوا ناساً أعراباً لا علم لهم بالمناسك ، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ( لا حرج ) يعني : فيما فعلتم بالنسيان وبالجهل ، لا أنه أباح لهم ذلك فيما بعد ومما يؤيد هذا ويؤكده قول ابن عباس ، رضي الله عنهما ، المذكور . والحال أنه أحد رواة الحديث المذكور ، فلو لم يكن معنى الحديث عنده على ما ذكرنا لما قال بخلافه . ومن الدليل على ما ذكرنا أن ذلك كان بسبب جهلهم ما رواه أبو سعيد الخدري ، أخرجه الطحاوي قال : ( سئل رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، وهو بين الجمرتين ، عن رجل حلق قبل أن يرمي . قال : لا حرج . وعن رجل ذبح قبل أن يرمي ، قال : لا حرج ، ثم قال : عباد اللَّه ، وضع الله عز وجل الحرج والضيق ، وتعلموا مناسككم فإنها من دينكم ) . قال الطحاوي : أفلا يرى إلى أنه أمرهم بتعلم مناسكهم لأنهم كان لا يحسنونها ، فدل ذلك أن الحرج الذي رفعه الله عنهم هو لجهلهم بأمر مناسكهم ، لا لغير ذلك . فإن قلت : قد جاء في بعض الروايات الصحيحة : ولم يأمر بكفارة ، قلت : يحتمل أنه لم يأمر بها لأجل نسيان السائل ، أو أمر بها وذهل عنه الراوي . 24 ( ( باب مَنْ أجاب الفُتْيا باشارَةِ اليَدِ والرَّأسِ ) ) أي : هذا باب في بيان المفتي الذي أجاب المستفتي في فتياه بإشارة بيده أو رأسه . وجه المناسبة بين البابين ظاهر . 84 حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ قال : حدّثنا وُهَيْبٌ قال : حدّثنا أيُّوبُ عنْ عِكْرِمَةَ عن ابن